الشيخ محمد رشيد رضا
289
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الاضطرار علة هذه الإباحة بشرطها فمثل هذه الأطعمة غيرها من المحرمات التي يضطر إليها الانسان لحفظ حياته كالاضطرار إلى الخمر أحيانا كما صرحوا به وليس منه الزنا لأنه ليس مما يضطر اليه أحد لحفظ حياته ( الأصل الثالث عشر ) السياحة والسير في الأرض . فاتنا أن نذكر في تفسير قوله تعالى ( 11 قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ) أنه يدل بعمومه على وجوب السياحة وان جعل الزمخشري والبيضاوي الامر فيه للإباحة . وإنما يجب بالقصد المنصوص في الآيات كما يأتي تفصيله في الأصل التالي لهذا . نعم ان الخطاب في هذه الآية للمشركين المكذبين وان الغرض منه الدلالة على مصداق الآية التي قبلها الناطقة بما حل من عقاب اللّه بالساخرين من الرسل والمستهزئين بهم من قبلهم . ولكن العبرة بعموم اللفظ دون السبب الخاص لنزوله والاحتجاج به . وقد تكرر الامر في الكتاب العزيز بالسير في الأرض والحث عليه . فمنه ما جاء في خطاب المشركين كآية الانعام ومثلها في النحل والنمل والعنكبوت ويوسف وفاطر وغافر . ومنه ما جاء في خطاب المؤمنين كآية آل عمران ( 3 : 137 ) ومثلها آية سورة الروم ( 30 : 41 ) ومنه ما يحتمل العموم والاطلاق . ويؤيد ذلك وصف المؤمنين والمؤمنات في الآن بالسائحين والسائحات في سورتي التوبة والتحريم ، وان فسرها بعضهم فيهما بالصيام وهو تأويل بعيد ، وكذا تخصيص سهم من مال الزكاة لابناء السبيل وهم الرحالون الذين ينقطعون بالاسفار عن أوطانهم ومعاهد كسبهم حتى كأن السبيل لكل منهم أبوه وأمه لأنه لا يكاد يفارقه وانظر أحكام السفر وفوائده في الأصل التالي : ( الأصل الرابع عشر ) النظر في أحوال الأمم وعواقب الأقوام التي كذبت الرسل في أثناء السير في أرضها ورؤية آثارها وسماع أخبارها كما بينا ذلك في تفسير الآية التي استدللنا بها آنفا على الأصل السابق وهي ( 11 قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) وهذا النظر والاعتبار لا خلاف بين العلماء في وجوبه شرعا وكونه مطلوبا لذاته ومقصودا من السياحة والسير في الأرض وإنما اختلفوا في السفر نفسه إذا لم يقصد به ذلك فذهب بعضهم إلى إباحته كما تقدم وبعضهم إلى وجوبه . والحق ان الآن قد بين للسفر فوائد أخرى علل بها الامر به والحث عليه . وان الأصل فيه الإباحة وقد يكون واجبا إذا كان لامر واجب كالحج والجهاد الشرعي والنظر والاعتبار الذي هو موضوع هذا الأصل من أصول فوائد سورة الأنعام - وقد يكون مندوبا إذا « تفسير الآن الحكيم » « 37 » « الجزء الثامن »